الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
54
انوار الأصول
هيئة « زيد قائم » ونحتاج في بيان كيفية السير من حيث الابتداء والانتهاء في قولك « سرت من البصرة إلى الكوفة » أيضاً إلى كلمتي « من » و « إلى » ، هذا ملخّص الكلام في بيان الأقوال الخمسة في المقام . أقول : أمّا القول الأوّل : فالأحسن في مقام الجواب عنه أن يقال : إنّه مخالف لما يتبادر من الحروف إلى الذهن عند استعمالها ، وقياسه بالاعراب قياس مع الفارق ، لأنّه يتبادر من كلمة « في » مثلًا في جملة « زيد في الدار » معنى خاصّ ، والحال أنّه لا يتبادر شيء من علامة الرفع في « زيدٌ » في تلك الجملة . أمّا القول الثاني : فغاية ما يقال في توضيحه : أنّ خصوصيّة كلّ واحد من الاسم والحرف نشأت من جانب الاستعمال لا الوضع ، لأنّه إن كان الموضوع له خاصّاً فلا يخلو من أحد الأمرين ، إمّا أن يكون المراد الخاصّ الجزئي الخارجي فإنّه خلاف الوجدان ، لأنّ في نحو « في الدار » لا يكون المصداق واحداً جزئيّاً بل إنّه كلّي لشموله لكل موضع من الدار ، وإمّا أن يكون المراد جزئيّاً ذهنياً فيستلزم كون الموضوع له معنىً مقيّداً بوجوده في الذهن ، لأنّ لحاظ المعنى قيد له وهو باطل لوجوه : أحدها : لزوم تعدّد اللحاظين حين الوضع ، لأنّ الوضع حينئذٍ يلاحظ المعنى الملحوظ في الذهن وهو خلاف الوجدان . ثانيها : لزوم عدم إمكان انطباق المعنى الحرفي على الخارج لأنّه مقيّد بكونه في الذهن . ثالثها : لزوم كون الموضوع له في جميع الأسماء حتّى في أسماء الأجناس خاصّاً لأنّه إذا كان « كونه ملحوظاً في غيره » جزءاً لمعنى الحرف ، يكون « اللحاظ في نفسه » أيضاً جزءاً للمعنى الاسمي لأنّ المفروض كونهما موضوعين على منهاج واحد ، فيكون معنى الاسم جزئيّاً حقيقيّاً ذهنيّاً أيضاً ، وهو خلاف ما هو المتّفق عليه في أسماء الأجناس من كون الموضوع له فيها عامّاً . فثبت ممّا ذكرنا أنّ هذا القيد إنّما يكون عند الاستعمال لا في الموضوع له . إن قلت : فلا فرق حينئذٍ بين الاسم والحرف ، وهو يستلزم إمكان استعمال أحدهما موضع الآخر . قلنا : الفرق بينهما منحصر في غاية الوضع ، فوضع الاسم لأن يراد في نفسه ، ووضع الحرف لأن يراد في غيره ، وهي تمنع عن استعمال أحدهما موضع الآخر ( انتهى ) .